ابن حزم

847

الاحكام

ونجدهم ، المساكين ، في أمور دنياهم لا يقلدون أحدا ، ولا يبتاع أحدهم شيئا فما دونه أو فما فوقه ، إلا حتى يقيسه ويتأمل جددته ويتقي الغبن فيه ، وهو لا يتقي الغبن في دينه الذي فيه هلاكه أو نجاته في الأبد ، فتجده قد قبله مجازفة وأخذه مطارفة : هات ما قال مالك وابن القاسم وسحنون إن كان مالكيا ، أو ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إن كان حنفيا ، أو ما قال الشافعي إن كان شافعيا ، ولا مزيد . ووالله لو أن هؤلاء ، رحمهم الله ، وردوا عرصة القيامة بملء ء السماوات والأرض حسنات ، ما رحموه منها بواحدة ، ولو أنه - المغرور - ورد ذلك الموقف بملء ء السماوات والأرض سيئات ، ما حطوا منها واحدة ، ولا عرجوا عليه ، ولا التفتوا إليه ، ولا نفعوه بنافعة . ونجده يضرب عن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم الذي لا يرجو شفاعة سواه ، ولا أن ينقذه من أطباق النيران ، بعد رحمة الله تعالى ، إلا اتباعه إياه فأين الضلال إن لم يكن في فعل هؤلاء القوم . ثم ننحط في سؤالهم درجة فنقول : ما الذي دعاكم إلى التهالك على قول مالك وابن القاسم ، فهلا تبعتم أقوال عمر بن الخطاب وابنه فتهالكتم عليها ؟ فهما أعلم وأفضل من مالك وابن القاسم عند الله عز وجل بلا شك ، ونقول للحنفيين . ما الذي حملكم على التماوت على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ؟ فهلا طلبتم أقوال عبد الله بن مسعود وعلي فتماوتم عليها ؟ فهما أفضل وأعلم من أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن عند الله تعالى بلا شك . ونقول لمن قلد الشافعي رحمه الله : ألم ينهكم عن تقليده ، وأمركم باتباع كلام النبي صلى الله عليه وسلم حيث صح ؟ . فهلا اتبعتموه في هذا القولة الصادقة التي لا يحل خلافها لاحد ؟ أوليس قد قال رحمه الله - وقد ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم فيمن مات وعليه صيام صام عنه وليه ، فقال رحمه الله : إن صح هذا الحديث فبه أقول ؟ ونبرأ من كل مذهب خالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، والحديث المذكور في غاية الصحة من طريق عائشة رضي الله عنها ، ثم أنتم دأبا تتحيلون في إبطاله بأنواع من الحيل الباردة ونهاكم عن قبول المرسل . ثم أنتم تأخذون به في تحريم بيع اللحم بالحيوان ، تقليدا لغلطه رحمه الله الذي لم يعصم منه أحد ،